الشياطين الحمر”فى حضرة “أسود التيرانجا”: انتصار الإرادة في عقر دار “أسود” أفريقيا في رحاب سياتل.. حيث يلتقي التاريخ بالشجاعة

تانيد ميديا : على ضفاف المحيط الهادئ، وتحت سقف ملعب “لومن فيلد” (Lumen Field) في سياتل، الذي تبلغ سعته نحو 69 ألف متفرج .

كتب منتخبا بلجيكا والسنغال فصلاً خالداً وجميلا ويبقي محفورا فى الذكرة فى سجلات كأس العالم 2026، في لقاء حمل أبعاداً تتجاوز مجرد قنص بطاقة تأهل إلى دور الـ16.

كانت المباراة التي جمعت “الشياطين الحمر” و”أسود التيرانجا” لوحة دراماتيكية متكاملة، مزجت بين عراقة المدرسة الأوروبية وشراسة المدرسة الأفريقية، لتخرج بنتيجة تعكس روح البذل وصمود المستديرة: فوز بلجيكي دراماتيكي بنتيجة 3-2 بعد وقت إضافي.

لم تكن هذه المباراة مجرد لقاء في دور الـ32 من كأس العالم .

بل كانت مواجهة بين منتخبين لم يلتقيا من قبل في تاريخهما، مما جعل الميدان وحده هو الحَكَم في تحديد موازين القوى بين الطرفين.

◾رمزية الأزياء: صراع الألوان والهوية

خرج”الشياطين الحمر” من غرفة الملابس بملعب سياتل مرتدين قمصانهم البيضاء الطقم الاحتياطي الثاني للمنتخب ، لون السلام والأمان فى أوربا و الذي يرمز إلى الروح المهذبة التي ميزت جيل 2018 الذهبي، مع شورتات بيضاء تعكس النقاء والاتزان ايضا ، وجوارب بيضاء بالكامل

هذا الثوب الذي حملته أجيال متعاقبة من البلجيكيين، وكان شاهداً على تطور الكرة البلجيكية من المدرسة الدفاعية التقليدية إلى المدرسة الهجومية المعاصرة الشاملة.

في المقابل، ارتدى “أسود التيرانجا” أزياءهم الخضراء الشهيرة التي ترمز إلى أرض السنغال الخصبة وروح الكرم الأفريقي، مع شورتات بنفس للون ، وجوارب خضراء توحي بالتماسك والوحدة. هذا الثوب الذي حملته أجيال من الأسود، كان شاهداً على طموح الكرة السنغالية في تكرار إنجاز 2002 التاريخي.

الأرقام: ندية العمالقة

قبل انطلاق الصافرة، كانت الفوارق واضحة على الورق: بلجيكا في المرتبة التاسعة عالميا

بينما جاءت السنغال في المرتبة 15 عالمياً.

أما معدل الأعمار فكان مرآة لاستراتيجيات المنتخبين: بلجيكا بمتوسط 27.4 سنة, معتمداً على خبرة المخضرمين بقيادة أكسيل فيتسل (37 عاماً)، بينما بلغ متوسط عمر السنغال 26.5 سنة.

معتمداً على مزيج من الشباب المتوهج بقيادة القائد ساديو ماني.

وشهدت المباراة حضوراً لافتاً من “أسود التيرانجا” في الشوط الأول، حيث نجحوا في فرض إيقاعهم رغم تفوق بلجيكا في التصنيف.

لكن الأرقام الأهم كانت في الجانب الهجومي: السنغال سجلت 8 أهداف في دور المجموعات، بينما بلجيكا سجلت 6 أهداف فقط.

#- ملحمة الشوطين: من الصدمة السنغالية إلى الانتفاضة البلجيكية

*/الشوط الأول: هيمنة أفريقية وتقدم مبكر

منذ الدقائق الأولى، فرض “أسود التيرانجا” أسلوبهم على المباراة، معتمدين على الضغط العالي والارتدادات السريعة.

وفي الدقيقة 21، تمكن حبيب ديارا (Habib Diarra) من افتتاح التسجيل للسنغال، مستغلاً هفوة دفاعية بلجيكية.

و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي الدقيقة 50، أضاف إسماعيل سار (Ismaïla Sarr) الهدف الثاني للسنغال، ليضع “الشياطين الحمر” في موقف حرج، ويهز ثقة الجماهير البلجيكية التي كانت تراهن على تفوق التصنيف.

◾الرد البلجيكي: قرار جريء يغير المباراة

مع دخول الشوط الثاني، واصلت السنغال تفوقها، لكن المدرب رودي غارسيا اتخذ قراراً جريئاً غير مجرى المباراة تماماً: أخرج كيفن دي بروين وجيريمي دوكو، وأدخل روميلو لوكاكو ودودي لوكيباكيو.

كان هذا القرار نقطة التحول الحاسمةفى المباراة .

وفي الدقيقة 86، وبعد ضغط بلجيكي عنيف، تمكن روميلو لوكاكو من تسجيل هدف التقليص، ليعيد الأمل إلى “الشياطين الحمر”.

وبعد ثلاث دقائق فقط، وتحديداً في الدقيقة 89

أدرك يوري تيليمانس هدف التعادل القاتل، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر.

الوقت الإضافي: دراما اللحظات الأخيرة

مع دخول الفريقين إلى الوقت الإضافي، بدت المباراة تتجه نحو ركلات الترجيح. لكن في اللحظات الأخيرة من الوقت الإضافي الثاني ، وتحديداً عند اكتمال الدقيقة 120 من المباراة

نفذ البديل دييغو موريرا عرضية من الجهة اليمنى، ليلتقطها يوري تيليمانس داخل المنطقة. تدخل لامين كامارا بانزلاقة من الخلف وأسقط تيليمانس، ليلجأ الحكم إلى تقنية الفيديو ويحتسب ركلة جزاء مثيرة للجدل.

في الدقيقة 125من المباراة تحمل يوري تيليمانس المسؤولية وسدد ركلة الجزاء بقوة في الزاوية اليمنى العليا، مسجلاً هدف الفوز التاريخي، ليكون أحدث ركلة جزاء تُسجل في تاريخ كأس العالم.

◾عبقرية الدفاع ونجومية الحارسين

رغم الهزيمة، تألق الحارس السنغالي موري دياو، الذي حل محل الحارس الأساسي إدوارد ميندي، بتصدياته الحاسمة التي أبقت آمال “أسود التيرانجا” حية حتى الدقائق الأخيرة.

في المقابل، كان تيبو كورتوا حارس بلجيكا، شاهداً على عودة تاريخية لفريقه بعدما كان متأخراً بهدفين حتى الدقيقة 85من للقاء .

أما روميلو لوكاكو، فبعدما دخل كبديل، كان له تأثير فوري بتسجيله هدف التقليص، مما أثار تساؤلات حول سبب عدم بدء المباراة أساسياً.

بينما كان يوري تيليمانس نجم المباراة بلا منازع، بتسجيله هدفين حاسمين (التعادل والفوز).

▪️المدرستان الكرويتان: بين الكرة الشاملة والاندفاع الأفريقي

تميزت المباراة بصراع بين المدرسة البلجيكية التي تعتمد على الكرة الشاملة والاستحواذ المنظم، بقيادة رودي غارسيا،

والمدرسة السنغالية التي تجمع بين الانضباط الدفاعي والارتداد السريع، مع اعتماد على القوة البدنية والاندفاع الهجومي، تحت قيادة بابي بونا ثياو.

أظهرت السنغال قوة هجومية مذهلة في الشوط الأول،

بفضل تحركات ساديو ماني وإسماعيل سار

بينما اعتمدت بلجيكا على التنظيم الهجومي بقيادة كيفن دي بروين، لكنها افتقرت للفعالية حتى دخول لوكاكو.

عندما يتحدث التاريخ

لطالما كانت بلجيكا حاضرة بقوة في المونديال، حيث شاركت في 15 نسخة (أولها 1930)

وحققت المركز الثالث في مونديال روسيا 2018 كأفضل إنجاز لها.

وأبرز أساطير المنتخب البلجيكي الذين تألقوا خلال حقبات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي هم:يان كويلمانس (Jan Ceulemans): أسطورة نادي كلوب بروج، وأحد أكثر اللاعبين تمثيلاً للمنتخب. قاد بلجيكا لنهائي كأس أمم أوروبا 1980 ولنصف نهائي كأس العالم 1986.إريك جيريتس (Eric Gerets): مدافع صلب وُصف بأحد أفضل لاعبي القرن العشرين في بلجيكا. حمل قميص “الشياطين الحمر” في مونديالي 1982 و1986.جان ماري فاف (Jean-Marie Pfaff): الحارس الأسطوري الذي حمى عرين بلجيكا في بطولات كأس العالم 1982 و1986.إنزو سكيفو (Enzo Scifo): صانع ألعاب من طراز رفيع، شارك في 4 نسخ لكأس العالم (1986، و1990،و 1994، و1998).

ميشيل برودوم (Michel Preud’homme): حارس المرمى التاريخي، وفاز بجائزة أفضل حارس في كأس العالم 1994.

وفرانكي فان در إلست (Franky Van der Elst): لاعب وسط دفاعي متميز، شارك في كأس العالم 1986 و1990 و1994 و1998

أما السنغال، فشاركت في 4 نسخ من كأس العالم (أولها 2002)،

التي قيمت مناصفة فى اليابان وكوريا الجنوبية

وكان إنجازها الأكبر بلوغ ربع النهائي في 2002.

ومن أبرز لاعبي منتخب السنغال الذين حملوا قميص “أسود التيرانجا” وتركوا بصمة واضحة خلال العقود الماضية

وتضم القائمة باسماءا من العيار الثقيل نذكر منهم : المهاجم بوبكر سار “لوت” (Boubacar Sarr Locotte)، ولاعب الوسط إبراهيم با “أوزيبيو” (Ibrahima Ba Eusebio)، إضافة إلى المهاجم كريستوف سانيا (Christophe Sagna).

كما يبرز اسم جول بوكاندي (Jules Bocandé)، وهو أحد أعظم المهاجمين في تاريخ السنغال، والمدافع الصلب روجر مندي (Roger Mendy)، والحارس الشيخ سيك، و المهاجم المميز سليمان ساني (Souleymane Sané) (والد اللاعب الألماني ليروي ساني)، والمهاجم القناص مامادو ديالو (Mamadou Diallo)، بالإضافة إلى المدافع الصلب عمر غي سين (Oumar Guèye Sène).

وإسماعيل سار (الأكثر ظهوراً في المونديال بـ7 مباريات).

والذين صنعوا تاريخاً حافلاً بالإنجازات.

الإرادة والروح القتالية

بهذا الفوز التاريخي، أرسل “الشياطين الحمر” رسالة عبرالبريد السريع لكل : بلجيكا لم تمت بعد، وما زالت قادرة على قلب الطاولة حتى في أصعب الظروف.

أما “أسود التيرانجا”، فخرجوا مرفوعي الرأس، مؤكدين أن الكرة الأفريقية قادرة على منافسة كبار العالم، وأن طموحهم في تكرار إنجاز 2002 ما زال حياً.

وفي المباراة المقبلة ضد الفائز من مباراة الولايات المتحدة والبوسنة، سيكون التحدي أكبر، لكن الروح التي ظهر بها “الشياطين الحمر” في سياتل تبعث على التفاؤل.

أما السنغال، فقد ودعت المونديال وقطعت تذكرة العودة الي الديار

ومستقبلا حقا ستعود لتقييم حساباتها الدفاعية، والعمل علي التركيز حتى اللحظات الأخيرة.

كانت مباراة قوية ووفت بكل ووعودها بملعب سياتل لكرة القدم: حيث تجتمع الندية مع المتعة ، والإندفاع مع الانضباط، والأداء مع الروح.

لتنتهي المباراة بالكثير من الدموع التى سالت من عيون مشجعي ولاعبي السينغال بالمدرجات وعلى نجيلة الملعب بعد خيبةالمنتخب فى مواصلة المشوار.

مع تحياتي

محمد سالم ولد خليه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى